محمد جواد مغنية

209

في ظلال نهج البلاغة

على رؤوسهم ينشدون اللحن الجنائزي ، ويطلبون القصاص من أصحاب الحق الذي اغتصبه وخنقه المطالبون بدمه . . وهذا هو منطق الانتهازيين ، وكل من يتاجر بالمبادىء والدين ، ويقول : أنا وحدي على الحق الكامل ومن خالفني على الضلال التام . والمعروف من سيرة الإمام ( ع ) انه ما خاض حربا ، ولا شهر سيفا على أحد إلا بعد اليأس من السلم والصلح ، وكان يسلك اليه كل سبيل ، ومن أقواله : « سأمسك الأمر ما استمسك ، وإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي » أي الحرب . ومن الشواهد على ذلك قوله لابن عباس قبل أن تقع حرب الجمل : دع عنك طلحة ، ولا تكلمه في شأن الحرب أو السلم ، فقد استبدت به الغطرسة ، وأعماه الغرور حتى أصبح يرى البعيد قريبا ، والصعب سهلا . ( ولكن الق الزبير ، فإنه ألين عريكة ) . أرق قلبا ، وأسهل جانبا من طلحة . قال المؤرخون : « كان الزبير في أشد الحيرة منذ وصل إلى البصرة ، وعرف ان عمار بن ياسر قد أقبل في أصحاب علي : وكان المسلمون يتسامعون بقول النبي ( ص ) لعمار : » ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . فلما عرف ان عمارا في جيش علي أشفق أن يكون من هذه الفئة الباغية . ( فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز ، وأنكرتني بالعراق ) . كان الزبير من أشد الناس حماسا وحبا لعلي في عهد الرسول ( ص ) وبعد وفاته ، وقد شهر سيفه يوم السقيفة ، وأبى إلا عليا للخلافة ، ووقف إلى جانبه في الشورى يوم جعلها عمر في ستة ، ثم بايع الإمام بعد مقتل عثمان ، كل هذا كان في الحجاز ، واليه أشار الإمام بقوله : « عرفتني بالحجاز » ثم نكث البيعة وخرج على الإمام في البصرة ، والى هذا النكث أشار الإمام ب « أنكرتني بالعراق » . ( فما عدا مما بدا ) . عدا فلان طوره تجاوزه وتعداه ، وبدا ظهر وتبين ، والمعنى كنت من قبل - يا زبير - لي ومعي حتى بايعتني بالخلافة ، ثم ثرت علي وأنكرتني . . لما ذا وأي شيء ظهر لك مني بعد البيعة حتى تغيرت وتجاوزت ما كنت عليه من قبل وعلى هذا تكون « من » في قوله « مما » لبيان الجنس كما قال ميثم في شرحه ، وليست بمعنى « عن » كما قال ابن أبي الحديد ومن تابعه كالشيخ محمد عبده ، والشيء الذي بينته « من » هو : ما بدا من أفعال